القرطبي
34
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فيه سبع عشرة مسألة . الأولى - قوله تعالى : ( وابتلوا اليتامى ) الابتلاء الاختبار ، وقد تقدم ( 1 ) . وهذه الآية خطاب للجميع في بيان كيفية دفع أموالهم . وقيل : إنها نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه . وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه وهو صغير ، فأتى عم ثابت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ، ومتى أدفع إليه ماله ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية . الثانية - واختلف العلماء في معنى الاختبار ، فقيل : هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه ، ويستمع إلى أغراضه ، فيحصل له العلم بنجابته ، والمعرفة بالسعي في مصالحه وضبط ماله والاهمال ( 2 ) لذلك . فإذا توسم الخير قال علماؤنا وغيرهم : لا بأس أن يدفع إليه شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه ، فإن نماه وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار ، ووجب على الوصي تسليم جميع ماله إليه . وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك ماله عنده . وليس في العلماء من يقول : إنه إذا اختبر الصبي فوجده رشيدا ترتفع الولاية عنه ، وأنه يجب دفع ماله إليه وإطلاق يده في التصرف ، لقوله تعالى : ( حتى إذا بلغوا النكاح ) . وقال جماعة من الفقهاء : الصغير لا يخلو من أحد أمرين ، إما أن يكون غلاما أو جارية ، فإن كان غلاما رد النظر إليه في نفقة الدار شهرا ، أو أعطاه شيئا نزرا يتصرف فيه ، ليعرف كيف تدبيره وتصرفه ، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه ، ( 3 ) فإن أتلفه فلا ضمان على الوصي . فإذا رآه متوخيا سلم إليه ماله وأشهد عليه . وإن كان جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه ، في الاستغزال والاستقصاء على الغزالات في دفع القطن وأجرته ، واستيفاء الغزل وجودته . فإن رآها رشيدة سلم أيضا إليها مالها وأشهد عليها . وإلا بقيا تحت الحجر حتى يؤنس رشدهما . وقال الحسن ومجاهد وغيرهما : اختبروهم في عقولهم وأديانهم وتنمية أموالهم . الثالثة - قوله تعالى : ( حتى إذا بلغوا النكاح ) أي الحلم ، لقوله تعالى : ( وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ( 4 ) ) أي البلوغ وحال النكاح . والبلوغ يكون بخمسة أشياء : ثلاثة
--> ( 1 ) راجع المسألة الثالثة عشرة ج 1 ص 387 ( 2 ) الواو بمنى أو . ( 3 ) في ى : ينفقه . ( 4 ) راجع ج 12 ص 308